التحول الرقمي مش أرشفة إلكترونية

يوجد على شبكة الإنترنت تعريفات عديدة لمصطلح “التحول الرقمي” (Digital Transformation)، بعضها أصح من الآخر. أما في ليبيا، فيبدو أن هناك تعريفًا واحدًا فقط يختزل التحول الرقمي في قطع “السوفتوير” أو “الهاردوير” التي تُنفذ عملية الأرشفة الإلكترونية، حتى أننا قد شهدنا تأسيس أجسام مؤسساتية، من مكاتب ولجان، مختصة بالتحول الرقمي في مؤسسات ليبية ضخمة، وكانت رؤية هذه الأجسام مقتصرة على مجرد الأرشفة الإلكترونية للمراسلات داخل تلك المؤسسات! نحن لا نعتقد أن هذه خطوة على الرِجل الخاطئة، بل بالعكس، هي انطلاقة جيدة طالما أن هناك رؤية أبعد من ذلك، وأن المسؤولين عن إدارة برامج التحول الرقمي في ليبيا يعلمون جيدًا أن الأرشفة الإلكترونية ليست هي كل ما يعنيه التحول الرقمي.

الأرشفة الإلكترونية هي الوسيلة التي يُنفذ بها الترقيم (Digitization)، والذي يعني ببساطة تحويل البيانات (Data) المحفوظة في أوساط غير رقمية (أي فيزيائية) إلى هيئة رقمية. على سبيل المثال، المستندات الورقية بشتى أنواعها، أفلام التصوير، والأشرطة المغناطيسية، كلها تعتبر أوساطًا فيزيائية تحوي بيانات، وخلال عملية الترقيم يتم تحويل تلك البيانات إلى هيئة رقمية يمكن للأجهزة المعاصرة فهمها ومعالجتها. ومع ذلك، الترقيم ليست دائمًا هي نقطة البداية، ففي عصرنا، أصبحت أغلب البيانات تولَد بصورة رقمية من البداية مما يُلغي الحاجة للترقيم من الأساس.

الوقوف عند ترقيم البيانات يجعلها مجرد عملية أرشفة أو تخزين بيانات جامدة لا يمكن توليد أي قيمة منها، وهنا تبرز أهمية عملية الرقمنة (Digitalization)، والتي يتم من خلالها تحويل العمليات والإجراءات اليدوية والفيزيائية التي نجريها على البيانات إلى عمليات رقمية. على سبيل المثال، إن أخذت صورة لفاتورة وحفظتها في ذاكرة جوالك، فإنك ذلك يعني أنك قد قمت بترقيم تلك الفاتورة. ولكن ماذا بعد؟ على الأغلب ستضطر إلى الذهاب شخصيًا إلى قسم المالية وتسليم الفاتورة بشكل شخصي، حيث سيتم معالجتها يدويًا.

أما لو خضعت العمليات والإجراءات المؤسساتية للرقمنة، فإن تلك التجربة ستختلف تمامًا. سيكون بإمكانك حينها إدخال قيمة الفاتورة عبر تطبيق جوال مرتبط بالإنترنت، ثم إرفاق صورة الفاتورة عبر التطبيق كإثبات، ووسيتم معالجة الفاتورة بشكل رقمي. وليس ذلك فحسب، بل أن ذلك سيفتح الأبواب للاستفادة من البيانات التي تحويها فاتورتك وفواتير غيرك لرسم فهم أكبر عن المصاريف داخل المؤسسة والمساهمة في اتخاذ القرارات التي من شأنها تحسين الأداء المالي للمؤسسة وتحقيق منافع متعددة.

الرقمنة (Digitaliziation)، كما تُعرفها الرائدة Gartner، هي “استخدام التكنولوجيا الرقمية لتغيير نموذج العمل التجاري في المؤسسات وخلق فرص ومصادر جديدة للإيرادات“. المؤسسات الرائدة في مجال التحول الرقمي مثل نايكي (Nike)، يوتيوب (YouTube)، أوبر (Uber)، إم-بيسا (M-Pesa)، جوجل (Google)، وأمازون (Amazon)، وغيرها الكثير، قد قاموا بتسخير التكنولوجيا الرقمية بطرق مبتكرة وثورية ساعدتهم على:

تحسين تجربة الزبون

ربما يكون هذا الدافع الرئيسي لأغلب المؤسسات لقيادة برامج التحول الرقمي لأن اكتساب قدرات رقمية جديدة يمنح المؤسسات مجموعة متنوعة من الطرق للوصول إلى عملائها، وخدمتهم، والتفاعل معهم.

تمكين القوى العاملة

أي توفير طرق جديدة للعمل أكثر فعالية وإثارة للاهتمام. السماح للموظفين بتخطي المهام اليومية الروتينية المملة، المتعبة، وأحيانًا الخطيرة، يمكن للمؤسسات توفير وقت الموظف للتطوير الشخصي، الإبتكار، واتخاذ القرارات.

تحقيق الامتياز التشغيلي

لقد أصبح الامتياز التشغيلي ذا أهمية قصوى للمؤسسات. في الوقت الحاضر، يمكن تجنب جزء كبير من العمليات التشغيلية من خلال الاستخدام الجيد للتكنولوجيا الرقمية البسيطة والرخيصة وحتى المجانية في بعض الأحيان.

“التحول الرقمي (Digital Transformation) هو التغيير الإيجابي الذي تحدثه الرقمنة على أسلوب الحياة والعمل في المجتمع”.

ما هو جدير بالذكر -كونه موضع سوء فهم كبير- هو أن الشركات المذكورة آنفًا، وغيرها الكثير من رواد التحول الرقمي حول العالم، لم يعتمدوا على التكنولوجيا كعامل وحيد في قيادة تحولهم الرقمي، بل إنهم قاموا بإعادة تشكيل نموذجهم التجاري (Business Model) ليجني ثمرات التكنولوجيا الرقمية. دعونا نأخذ بعض الأمثلة على ذلك.

سنبدأ بشركة نايكي (Nike) التي استغلت تكنولوجيا إنترنت الأشياء (Internet of Things) لتزويد أحذية الركض الخاصة بها بمِجَسات خاصة (Sensors). تقوم المِجسات بإرسال البيانات والقياسات الحركية إلى جهاز الموبايل الخاص بالمستخدمين لكي يتمكنوا من متابعة إنجازاتهم. لدعم هذا الابتكار، قامت نايكي بإطلاق خدمة تواصل اجتماعي، أطلقوا عليها نايكي+ (+Nike)، يقوم من خلالها المستخدمون بمشاركة إنجازاتهم الرياضية مع معارفهم في شبكات التواصل الاجتماعي.

ومن الشركات التي استغلت تكنولوجيا شبكات التواصل الإجتماعي (Social Media)، شركة يوتيوب (YouTube)، وهي شركة توفر منصة خاصة بمشاركة المقاطع المرئية (الڤيديو) للمتعة، والتعليم، والأخبار عبر الإنترنت ويزورها مئات الملايين من المشاهدين شهريًا. أصبحت يوتيوب بمثابة البديل للجهاز المرئي (التلفزيون) للكثير من الناس. بإمكان كل سكان العالم مشاركة المقاطع المرئية مع العالم ومشاركة آرائهم بخصوص المقاطع المرئية التي ينشرها الآخرون.

من ناحية أخرى، تُمثِل شركة أوبر (Uber) مثالًا على استغلال الاتصال (Connectivity) في إعادة تشكيل النموذج التجاري لصناعة التنقل المأجور بأكملها، حيث أنه يمكن للزبائن الحصول على ركوبة خاصة (تاكسي) من خلال تطبيق الهاتف الذكي الذي يسمح لهم بالتواصل مع السائق مباشرة وتخصيص العديد من تفاصيل رحلتهم (حتى إن أرادوا أن يبقى السائق صامتًا طوال الرحلة). بالإضافة إلى ذلك، يتيح هذا النموذج التجاري الجديد الفرصة لأي مواطن يمتلك سيارة خاصة أن يجني بعض المال من تحويلها إلى ركوبة خاصة في وقت فراغه أو في طريق عودته من العمل.

إم-بيسا (M-Pesa) تعتبر أيضًا من الشركات الرائدة في مجال التحول الرقمي، حيث أنها توفر مثالًا على نجاح الصيرفة المتنقلة (Mobile Banking) في البلدان النامية (مثل خدمة Sadad التي تقدمها شركة المدار الجديد). في جوهرها، تسمح إم-بيسا للمستخدمين بسهولة إيداع الأموال، وسحبها، وتحويلها، ودفع ثمن البضائع والخدمات من خلال الهاتف المحمول، وبالتالي تمكين المواطنين الذين يعيشون في دول ذات بُنية مصرفية سيئة من إدارة أموالهم بشكل أفضل بكثير.

لا يمكننا الاستمرار دون الإشارة للعملاقة جوجل (Google)، والتي تعتبر أحد الشركات الرائدة في مجال الحوسبة السحابية (Cloud Computing) من خلال باقتها الشهيرة المعروفة باسم جوجل سويت (Google Suite)، والتي تشمل معالج نصوص (Text Editor)، معالج بيانات مجدولة (Spreadsheet)، مفكرة (Calendar)، صندوق بريد إلكتروني (Mailbox)، وغيرها الكثير من التطبيقات. قوة هذه الباقة تكمن في قدرتها على ربط كل تلك التطبيقات معًا عبر الإنترنت، بشكل أوتوماتيكي ولحظي مما يوفر الوقت الثمين، وذلك علاوة على التوفير المالي الكبير الناتج من تقاسم موارد البنية التحتية الرقمية (IT Infrastructure)، حيث أن الحوسبة السحابية تسمح لأكثر من جهة باستخدام نفس الموارد، مما يقلل تكاليف الخدمة لجميع المستخدمين.

ومن العمالقة نذكر أيضًا شركة أمازون (Amazon) والتي سخرت البيانات الضخمة (Big Data) لتحسين تجربة الزبائن (Customer Experience). في الأسواق التقليدية، عندما يرغب المتسوقون في اقتناء منتج معين من المتجر، فإنه لا يتوفر مندوب مبيعات خاص بكل متسوِق، يقدم له مجموعة مختارة مخصصة من المنتجات الأخرى التي قد يهتم بها. هذا هو ما نجحت أمازون في تقديمه. من خلال تجميع بيانات العملاء وتاريخهم الشرائي، أصبحت أمازون قادرة على تحليل سلوكيات وميول الزبائن من أجل تقديم عروض مخصصة لكل مستخدم من مستخدميها، تتوافق مع رغباته واحتياجاته.

إذا كما رأينا، الشركات الرائدة في مجال التحول الرقمي نجحت في تغيير النهج الذي نعيش به حياتنا ونمارس به أعمالنا في العديد من الأوجه، كالرياضة، المتعة، التنقل، إدارة الأموال، إنجاز الأعمال، والتسوق، في ذات الوقت الذي حققت فيه لنفسها أرباحًا طائلة وتمكنت من الصمود في وجه الزعزعة لسنوات طويلة.

الأمثلة الناجحة كثيرة، وكلها تشير إلى أن التحول الرقمي هو أكبر من مجرد تحويل العمليات والإجراءات الورقية إلى إلكترونية أو مجرد تركيب “منظومة” في الشركة. التكنولوجيا تعتبر بالفعل أحد أركان التحول الرقمي، لكنها حتمًا ليست الأهم أو الوحيدة.

ساهم في إثراء النقاش عبر التعليقات