“هل سينجح التحول الرقمي في ليبيا بدون كهرباء؟”

قُطعت الكهرباء البارحة على منطقة سوق الجمعة، طرابلس، لمدة ساعتين ونصف، مرت علي وكأنها يوم كامل بسبب انعدام التكييف. والأسوء أن انقطاع الكهرباء أدي إلى تقطع الاتصال بالإنترنت لدرجة عجزت فيها عن العمل على بعض المهام التي كنت أتطلع لإنجازها خلال عطلة الأسبوع. قبل انقطاع الكهرباء ببضع ساعات، كنت في المطبخ أخطط بصوتٍ عالٍ لإعداد عصير الجزر، فقالت لي أختي “جهزه الآن لأن الكهرباء سوف تنقطع”، لكنني لم أفعل …

وبحكم طبيعة عملي المرتبطة بالتكنولوجيا، فإنه كلما تكررت أزمة انقطاع الكهرباء في ليبيا، تردد على مسامعي تساؤلات الزملاء والزبائن، بلهجة مازحة أحيانًا وجادة أحيانًا أخرى، “كيف سينجح التحول الرقمي في ليبيا بدون كهرباء؟”. هذا التساؤل يجعلني أمُر بأفكار متضاربة ومشاعر مختلطة لأنه تساؤل “صحيح” و “خاطئ” في نفس الوقت: “صحيح” لأن التكنولوجيا الرقمية وغير الرقمية التي تجعل التحول الرقمي ممكنًا تعتمد بالفعل على الكهرباء، و “خاطئ” لأنه سؤال يتم طرحه في الزمن الخاطئ، لأننا -كبشر- قد سبق لنا وأن بنينا كل أوجه حياتنا وعملنا حول توفر مصادر الطاقة، والتي تتحول في آخر المطاف إلى كهرباء.

الأمر لا يحتاج إلى إقناع، والنقاش لا يستحق أن يُثار. نعم، من المستحيل أن تنجح جهود التحول الرقمي -في ليبيا أو خارجها- بدون توفر الكهرباء. ولكن، هل يعني ذلك أن تتوقف كل جهود التحول الرقمي في ليبيا؟ ماذا لو أخبرتكم أن الحاجة الماسة للتحول الرقمي في ليبيا ستدفع لإيجاد حلول مستدامة لأزمة الكهرباء؟ وماذا لو أخبرتكم أن التحول الرقمي سيساعد في تخفيف وطاة أزمة انقطاع الكهرباء على جميع الأطراف؟

أنا أرى أن السؤال الأصح -والأكثر منطقية وإنتاجية- هو: ماذا يمكن أن يقدم التحول الرقمي لتخفيف أزمة الكهرباء في ليبيا؟ في الواقع، الكثير الكثير! التحول الرقمي يمتلك القدرة على أن يقضي على أزمة إنقطاع الكهرباء برمتها -ذلك على افتراض أن سبب المشكلة هو بالفعل “الأحمال الزائدة”- وهذا ما سيوضحه المقال. ما لا يمكن للتحول الرقمي إصلاحه، والذي هو خارج نطاق المقال، هو الإهمال والتدمير المتعمد لموارد الكهرباء في ليبيا، حيث أن ذلك يتطلب “تحولًا من نوع آخر”! ولكن، وحتى في ظل هذه الظروف، يمكن للتحول الرقمي المساعدة بشكل فعال في تخفيف الضغط على شركات الكهرباء وتخفيف أثر الأزمة على المواطن الليبي.

التحول الرقمي لشركات الكهرباء حول العالم سيساعدها أن تجني إيرادات تصل إلى 1.3 تريليون دولار بحلول سنة 2025
(المصدر: المنتدى الاقتصادي العالمي)

التحليلات المتقدمة (Advanced Analytics) تعتبر من أحد أبرز ملامح التحول الرقمي. ترتكز التحليلات المتقدمة على استخدام البيانات التي يتم قياسها من الأجهزة المختلفة لتساعد شركات الكهرباء في التنبؤ الاستباقي بالمشاكل وصيانتها، بشكل سريع أو حتى لحظي. ذلك من شأنه تمديد دورة حياة وكفاءة التشغيل لأصول البنية التحتية المستخدمة لتوليد، أو نقل، أو توزيع الكهرباء، حيث أن الصيانة ستصبح تنبؤية (أي التنبؤ بالمشكلة قبل أن تحدث وبالتالي حلها بشكل لحظي) بدلًا من تفاعلية (أي العلم بالمشكلة بعد حدوثها مما يمدد الوقت المطلوب لحلها ويزيد احتمال تفاقمها).

ستُمكِن التحليلات المتقدمة شركات الكهرباء من اكتشاف وإصلاح الأعطال، والانهيارات في التوربينات وأنظمة التحكم، وتنظيم الطاقة بصورة أكثر فعالية. سيساعد ذلك أيضًا على اتخاذ تدابير وقائية، مما يساهم في مجمله في تقليل مخاطر وتكاليف التشغيل والصيانة بشكل كبير. هذا بالإضافة إلى تحسين سلامة القوى العاملة في المناطق النائية أو الخطيرة من خلال توفير إمكانيات الصيانة الآلية والأدوات اللازمة لتعزيز كفاءات التشغيل؛ كالطائرات بدون طيار، على سبيل المثال، والتي يمكنها أن تتفقد شبكات الكهرباء عن بُعد وإعلام الشركات بالأعطال الموجودة.

من ناحية أخرى، للأدوات الرقمية لإدارة الأصول دور مهم، حيث أن هذه الأدوات ستساعد في تحسين عمل الشبكة بموازنة الأحمال بشكل تفاعلي ولحظي وذلك من خلال عمليات المراقبة المتقدمة. هذا سيزيد من قدرة شبكة الكهرباء على الصمود، مما سيضمن حصول المستهلكين على الكهرباء دون انقطاع. سيعالج هذا أيضًا أوجه القصور والإهدار في شبكة النقل والتوزيع. سوف يتطلب هذا الحل بالطبع توفير عدادات ذكية (Smart Meters) متصلة بمنظومات شركات الكهرباء، والذي هو استثمار لابد منه.

ستسمح هذه الأدوات الرقمية أيضًا للمستهلكين بالحصول على مراسلات عن استهلاكهم، وفواتيرهم، وأي تغيرات في الأسعار، وهنا ستلعب الأجهزة المحمولة (الموبايل) وأدوات التواصل الاجتماعي دورًا كبيرًا في تحسين التواصل مع المستهلك ورفع الوعي العام. علاوة على ذلك، البيانات المسَجلة أثناء المراقبة المتقدمة ستسهل على شركات الكهرباء فهم العرض والطلب بشكل أفضل، مما سيساهم في تحسين النمط الذي توزع به الكهرباء.

إذا كما رأينا، يمكن للتحول الرقمي أن يحدث تغييرات هامة على طريقة عمل شركات الكهرباء في اتجاه القضاء على هدر الطاقة، تحسين العمليات التشغيلية، وإطالة عمر أصول البنية التحتية للكهرباء، مما سيخلق، بإذن الله، قيمة كبيرة لشركات الكهرباء والمستهلكين على حد سواء. يمكن ترجمة كل ذلك إلى منافع حقيقية يلمسها الليبيون في وضعهم الحالي، والذين تعتبر تجربتهم (Customer Experience) الركن الأساسي للتحول الرقمي، والذي سيوفر لهم، على الأقل:

– انقطاع أقل للكهرباء
– طرح عادل للأحمال بين كل المناطق
– إعلام مسبق بمواعيد انقطاع ورجوع الكهرباء
– القدرة على مراقبة الاستهلاك وتسديد الفواتير
– جعل وظيفة المهندسين والعاملين في شركات الكهرباء أكثر أمانًا ومتعة

أزمة الكهرباء في ليبيا معقدة جدًا: بناء عشوائي لمباني سكنية وخدمية تُرهق شبكة توزيع الكهرباء، عقود متوقفة منذ عام 2011 لمشاريع تتجاوز نسبة إنجاز بعضها 90٪ (منقول عن تغطية إعلامية لقناة الغد لاجتماع الدبيبية مع ديوان المحاسبة، المصرف المركزي، والشركة العامة للكهرباء)، تدمير مُتعمد لأصول الكهرباء في ليبيا من قِبل الخارجين عن القانون، وما إلى ذلك من التحديات التي هي خارج سلطة الشركة العامة للكهرباء (GECOL). ولكن، لا يختلف اثنان أنه يوجد الكثير مما يمكن للشركة العمل عليه اليوم، وأقله بدء التخطيط للتحول الرقمي.

ساهم في إثراء النقاش عبر التعليقات