المدينة الليبية الذكية

المدينة الليبية الذكية“: أليس العنوان باعثًا للأمل؟ أليس من الرائع التفكير في مستقبل مخالف للحاضر تمامًا؟ المدينة الذكية (Smart City) هي بدون شك من أبرز معالم ذلك المستقبل. نحن هنا لا نتحدث عن سيارات تطير أو عن روبوتات تغزو المدن، بل نتحدث عن تغييرات عملية، واقعية، و محمودة الأثر من شأنها تحسين أساليب الحياة والعمل في ليبيا باستخدام التكنولوجيا الرقمية (Digital Technology).

تقع المدينة الذكية تحت المظلة الواسعة للتحول الرقمي (Digital Transformation)، حيث أن كل ما نقوم به في حياتنا اليومية سيتم إعادة تخيُله، وتصميمه، وتنفيذه من وِجهة نظر رقمية بحته باستخدام التكنولوجيا الرقمية ومن خلال وضع مصلحة المستخدم -أي المواطن- في مركز كل القرارات.

تعتمد المدينة الذكية -بشكل أساسي- على تكنولوجيا رقمية تُدعى إنترنت الأشياء (Internet of Things). يمكن تشبيه المدينة الذكية بمصنع ضخم، فيه العديد من الآلات التي تقوم بمهام مترابطة ومتزامنة. ستكون العديد من “الأشياء” في المدينة الذكية (جوالات، إشارات مرور، منظومات خدمية، كاميرات طرق، سيارات، طابعات، أعمدة إنارة، إلخ) على اتصال ببعضها عبر إنترنت فائق السرعة وسريع الاستجابة (أي تقنية الجيل الخامس 5G وما يليها)، ومن هنا جاءت التسمية “إنترنت الأشياء”، والتي يُشار لها اختصارًا بـ IoT.

تنظر مُدن العالم إلى مفهوم المدينة الذكية من نواحي متنوعة يُطلق عليها مُسمَى “فضاءات” (Spaces). على سبيل المثال، بعض المدن تنظر إليه من ناحية توفير حلول رقمية متعلقة بالمُواصلات (أي فضاء المواصلات، Transportation Space). البعض الآخر ينظر إليه من ناحية توفير حلول رقمية لترشيد استخدام الطاقة (أي فضاء الطاقة، Energy Space). البعض الآخر ينظر إليها من ناحية توفير حلول رقمية لتسهيل الخدمات الحكومية (أو ما يُعرف بالحكومة الإلكترونية، E-Government)، وهكذا: أي أنه لا توجد قائمة معينة بالمزايا أو المعالم الرقمية التي يجب أن تتوفر في مدينة ما لكي يتم تصنيفها بأنها “ذكية”— بمعنى آخر، كل مدينة أو دولة ذكية حول العالم بدأت بالخدمات التي تراها لازمة لتحسين قدرة المواطنين للعيش والعمل فيها.

بلا شك، سيقول البعض أن تطبيق مبدأ المدينة الذكية في ليبيا شيء مستحيل، ولكننا عندما نتأمل في دول أخرى مثل استونيا، إحدى دول الإتحاد الأوروبي، والتي تغلبت على ظروفها الصعبة (المشابهة لظروف ليبيا) بعد حرب  استقلالها من الاتحاد السوڤييتي سنة 1991 باستخدام التكنولوجيا الرقمية، سندرك تمامًا أنه لا يستحيل تكرار هذه التجربة الناجحة في ليبيا.

الاسم في حد ذاته (أي “المدينة الذكية”) قد يجعل الأمر يبدو وكأنه من الكماليات أو أنه قد لا يوجد أي نوع من العوائد الاستثمارية من الموضوع برمته، ولكن النتائج ستفاجئكم! دعونا نتفحص هذه الإحصائيات من دولة استونيا (Estonia) كدليل على العائد الاستثماري والمنافع الأخرى من بناء المدن الذكية:

– استونيا تحقق موفورات بنسبة اثنين بالمئة (2٪) من الإنتاج المحلي سنويًا (والذي بلغ 26 بليون دولار سنة 2017) بفضل استخدام التوقيعة الرقمية (Digital Signature) بدلًا من التوقيعة التقليدية باستخدام قلم الحبر- ذلك مذهل، صحيح؟

– تسعة وتسعون بالمئة (99٪) من الخدمات الرقمية في استونيا متوفرة للمواطنين 24 ساعة، على مدار الأسبوع، عبر الإنترنت مما ساهم في القضاء على البيروقراطية والفساد بشكل جذري (الواحد بالمئة المتبقية التي لم يتم رقمنتها هي إجراءات الزواج والطلاق وبيع العقارات).

– تسعة وتسعون بالمئة (99٪) من الوصفات الطبية تصدر عبر الإنترنت مع الاحتفاظ بالتاريخ الطبي الكامل للمواطنين على شبكة الإنترنت، في مكان آمن.

– توثيق الضرائب يستغرق خمس (5) دقائق فقط عبر الإنترنت وهذا بدوره شجع المواطنين والشركات على المبادرة بدفع الضرائب.

– استونيا هي بيت لشركات تكنولوجيا تزيد قيمتها السوقية الإجمالية عن بليون دولار!

المدينة الليبية الذكية

هناك بعض الجهود -الطموحة منها والخجولة- المتعلقة بالتحول الرقمي والمدن الذكية في ليبيا، لكنها قليلة وتفتقر لوجود الحوكمة والرؤية الموحدة التي تساعد في توجيهها وتكثيفها. لعل أبرز هذه الجهود وأكثرها طموحًا *كانت* رؤية شركة ليبيانا للهاتف المحمول، رؤية 3SC، والتي كانت شركة ليبيانا تهدف من خلالها إلى قيادة السوق الرقمي في ليبيا لتطوير الاقتصاد الوطني من خلال رؤية 3SC والتي تهدف إلى بناء شركة ذكية، مدن ذكية، وبلاد ذكية بحلول سنة 2020، وذلك من خلال تقديم حلول رقمية متقدمة في مجالات الصحة، الإدارة، والمواصلات- خصوصًا خدمات إدارة السير وحركة السيارات والإضاءة الطُرقية الذكية، وذلك نقلًا عن مقابلة صحفية سنة 2017 مع السيد محمد بن عياد، الرئيس التنفيذي السابق للشركة.

الحلول الرقمية التي نراها اليوم في ليبيا هي خدمات رقمية في مجال الصيرفة المتنقلة والمواصلات/ التوصيل. تعتبر الأخيرة، أي المواصلات/ التوصيل، هي نقطة البداية للعديد من المدن الذكية حول العالم، لكن، مجددًا، يتم ترجمة هذه الرؤية بطرق متنوعة. مثلًا تنظر بعض المدن إلى فضاء المواصلات من ناحية مشكلة ركن السيارات. البعض ينظر إليه من ناحية توفير حلول لدعم السيارات الكهربية أو السيارات ذاتية القيادة. البعض ينظر إليها من ناحية توفير أنظمة إضاءة وإشارات مرور ذكية، وغيرها من التحديات التي تواجه السائق على الطريق.

المدينة الذكية تتجسد -بشكل أساسي- في الخدمات الرقمية التي يتم تقديمها للمواطنين. الخدمات الرقمية -الحكومية- المتوفرة حاليًا في مدينة طرابلس على سبيل المثال (كوني مقيمًا فيها) تُعد على أصابع اليد الواحدة، ولعل الأبرز منها خدمات الرقم الوطني، إصدار الجوازات، التسجيل في الانتخابات، ومِنصات تسجيل المواد وعرض النتائج الدراسية في الجامعات، هذا بالإضافة إلى بعض الحلول المصرفية من البنوك العامة المتعلقة بالدفع الإلكتروني وماكينات السحب (هل تعرف المزيد؟). من ناحية أخرى، الخدمات الرقمية -غير الحكومية- (و أهمها -في رأيي- خدمة تداوُل) تُبدِي ازدهارًا أكبر وتوفر تجربة خدمية أفضل للمواطن. الخدمات الرقمية -غير الحكومية- جاءت بفضل كفاح أفراد مستقلين، شركات ناشئة، وشركات خاصة متعددة، ولكنهم للأسف سيظلون مكبوحي الجماح ولن يتمكنوا من الانتقال إلى مستوى أعلى من النجاح بسبب ضعف البنية التحتية الرقمية و كذلك بسبب القيود الكثيرة التي يفرضها عليهم وجود أو غياب بعض اللوائح الحكومية المتعلقة بتقنين وحوكمة استخدام التكنولوجيا الرقمية في ليبيا.

على الرغم من كل الصعوبات، أصبحت التكنولوجيا الرقمية جزءًا مهمًا في حياتنا اليومية في ليبيا. قد ننظر بعين الاستصغار لما يتوفر لنا من حلول رقمية اليوم، ولكننا يجب أن نتذكر أن ما لدينا اليوم لم يكن ممكنًا وما كنا لنصدق حدوثه قبل عشر سنوات. أصبح بإمكان المواطن اليوم أن يدير العديد من شؤون حياته (التسوق، التجارة، التواصل، الترفيه، التنقل، إلخ) عبر هاتفه الذكي من خلال الحلول الرقمية المتوفرة في السوق الليبي. هذا إن دل على شيء فإنه يدل على أن المواطن الليبي يتقبل التكنولوجيا الرقمية، ويتمسك بها، ويؤمن بتأثيرها الإيجابي على أسلوب حياته وعمله أكثر من أي مواطن آخر في العالم! نعم، هي في أغلب الحالات تجربة استخدام سيئة، ولكن المواطن لا يزال يصر على استخدامها. هذا في حد ذاته عامل في غاية الأهمية لأن التقبل المجتمعي هو أحد أهم عوامل نجاح التحول الرقمي.

هل ستلعب البلديات الليبية (المدن) الدور المتوقع منها؟

يجب أن تنتبه أجسام الدولة إلى موجة التحول الرقمي (Digital Transformation) التي أصبحت تغزو مدن العالم، ومنها المدن الليبية. تحول بهذا الحجم يجب أن يتم قيادته وحوكمته من طرف الدولة، كما هو الحال في كل مدن العالم. لا يمكن ترك هذا المجال لقُوى السوق (الشركات والمصارف) لتتصافى فيما بينها أو تقوم ببناء البُني التحتية الرقمية للمدن ثم احتكارها لنفسها. ومن ناحية أخرى، لا يمكن للدولة تنفيذ هذا التحول دون الاستعانة بالصناعات المهيمنة في ليبيا -بالتحديد صناعتي الاتصالات والنفط- حيث أن هذه الصناعات تملك القدرات الفنية لتنفيذ التغيير و تمتلك القدرات المادية لتمويله. لتفعيل ذلك، يجب أن يتم التخطيط لدعم الهيكلية الإدارية في مؤسسات الدولة  والبلديات بكوادر مختصة في شؤون التحول الرقمي حتى تقوم بقيادة، وتمكين، وحوكمة كل جهود التحول الرقمي في ليبيا. 

المدينة الذكية هي مدينة آمنة رقميًا

لا أحد يريد الدخول إلى مستشفى به خدمات رقمية، لكي يكتشف فجأة أن منظومات المستشفى قد تمت قرصنتها وتتهدد حياة المرضى وبياناتهم للخطر. سيقع على عاتق البلديات والدولة الليبية دور مُهم يكمن في حوكمة وتقنين الخدمات الرقمية التي ستوفرها المدن. هذه الخدمات تعتمد بشكل كبير على بيانات المواطنين مما سيُثير على الأغلب تحديات كبيرة متعلقة بالخصوصية والأمان الرقمي، حيث أن الغزو والقرصنة الرقمية يزدادان قوة على مدار الساعة ويبدو أن الأشرار أفضل تنظيمًا وتمويلًا من الأخيار في هذه المرحلة، ويكاد لا يمر يوم دون أن نشهد عملية قرصنة على الشركات أو البنوك. أحد الأمثلة هي الهجمة الإلكترونية الشاملة التي تعرضت لها دولة استونيا سنة 2007، والتي تم الاستجابة لها من خلال بناء سفارة البيانات (Data Embassy) -الأولى في العالم- والتي يتم فيها تخزين كل بيانات الدولة والمواطنين القائمين والرقميين. علاوة على ذلك، يتم تدريس الأمن الرقمي (السيبراني) في المدارس ابتداءًا من المرحلة الإعدادية. من ناحية أخرى، يجب التشديد على أهمية وضع ضوابط قانونية لما يُمكن تجميعه من بيانات المواطنين، ووضع وحدود قانونية لما يمكن فعله بها. بالإضافة إلى ذلك، ستزداد المخاطر المتعلقة بالقرصنة على المنظومات الحكومية وذلك لأن كل شيء سيكون متصلًا بشبكة الإنترنت، وبالتالي يجب -مجددًا- التركيز على الأمن الرقمي (الأمن السيبراني) وكذلك التأمين الرقمي (Cyber Insurance).

المدينة الذكية رحلة، وليس وِجهة!

المدينة الذكية ليس مجرد وضع نهائي يمكن الوصول له والتوقف عنده، بل هي رؤية متجددة وسعي مستمر لتلبية حاجات المواطنين والتكيُّف مع التغيرات في السوق ودخول التكنولوجيا الرقمية الجديدة. يمكن تحقيق الاستمرارية من خلال فتح باب الإبتكار والإبداع محليًا في مجالات التكنولوجيا الرقمية المتعلقة بمبدأ المدينة الذكية مثل السحابة (Cloud)، البيانات الكبيرة (Big Data)، وإنترنت الأشياء (Internet of Things)، وتقنية الجيل الخامس (5G) وغيرها، وكذلك دعم المناهج الدراسية -خصوصًا الجامعية- بهذه المبادئ. يمكن دعم ذلك أيضًا من خلال إطلاق المسابقات الريادية في مجال التكنولوجيا والتي أصبحت غير نادرة في ليبيا مؤخرًا فضلًا لشركات مثل شركة ليبيانا للهاتف المحمول، شركة المدار الجديد، و شركة تطوير (Tatweer). يجب عدم التقليل من شأن هذه المسابقات التي كان لها الفضل في إطلاق خدمات رقمية رائجة عالميًا، وتخدم الأفراد والمؤسسات على حد سواء، مثل دروب-بوكس (Dropbox)، و  يامر (Yammer)، وغيرهما، لذلك قد تنبثق من هذه المسابقات في ليبيا حلول هامة تساعد في تحسين قدرة المواطن على العيش والعمل.

ساهم في إثراء النقاش عبر التعليقات