5 أنواع تحيُز تهدد صحة قراراتك

التحيزات الإدراكية (Cognitive Biases) هي مبسّطات عقلية تساعد أذهاننا على معالجة بعض الأمور بسرعة وسهولة، وذلك من خلال تجاهل المنطق والتحليل الصحيح والقفز بسرعة إلى الخلاصة أو القرار. على سبيل المثال، قد تجد نفسك في موضع تُضطر فيه إلى اتخاذ قرار سريع دون توفر كم كافٍ من المعلومات أو المشورة. في هذه الحالة، تحيزاتك الإدراكية قد تكون سندك الوحيد في اتخاذ القرار، والذي قد تكون جودته إما ضربة حظ أو ضربة في مقتل!

في البداية، يجب أن نعلم أننا جميعًا نمتلك تحيزات إداركية، وأن هناك ما يفوق الخمسين نوعًا منها. تكمن خطورة التحيزات الإدراكية في كونها صعبة الاكتشاف و/أو صعبة التغيير بمجرد أن تتغلغل فينا وتصبح جزءًا من شخصيتنا. هذا يُمكِن التحيزات الإداركية من التسلل إلى ورش العصف الذهني، جلسات فهم وحل المشاكل، وغيرها من الاجتماعات المؤسساتية المهمة، مما يُعرض صحة المدخلات، والخلاصات، والقرارات للخطأ. لذلك، من المهم بناء قدرتنا على تمييز علامات التحيزات الإدراكية للتعامل معها بشكل مناسب. ذلك يشمل تمييز التحيزات في أنفسنا قبل غيرنا، أما إن كنا ناجحين في تمييز تحيزات الآخرين فقط فأن ذلك يعني أن رؤيتنا محجوبة بما يسمى النقطة العمياء للتحيز أو بالإنجليزية The Bias Blind Spot.

في هذا الصدد، لفت انتباهي مجموعة نظريات تربط شخصية الفرد (حسب المؤشر الشهير MBTI) بنوعية التحيز التي قد يمتلكها. على سبيل المثال، أنا INTJ، وحسب تلك النظريات فقد يكون لدي تحيز اسمه خطأ العزو (Attribution Bias Error) والذي يميل فيه الشخص إلى التقليل من شأن الأوضاع أو الظروف التي يمر بها الآخرون ولكنه قد يغفرها لنفسه، أو قد يميل هذا الشخص إلى تجريم سلوكيات الغير، ولكنه قد يغفرها لنفسه، بشِع! طبعًا تعمدت عدم البحث بجدية عن دراسات أو بحوث تدعم هذه النظرية لأنني متأكد أنها غير صحيحة بناءًا على 100٪ من شخصيات INTJ الذين أعرفهم، وعددهم 1، ألا وهو أنا 🙂

وهذا يجلبنا إلى أول أنواع التحيز التي أريد التحدث عنها ألا وهو توهم الأنماط (Clustering Illusion). يجعل هذا التحيز الشخص يرى أنماطًا وهمية في أحداث أو بيانات قليلة أو عشوائية، أو قد يجعله يُفسر الأحداث المقترنة ببعضها صدفةً على أن أحدها قد سبب الآخر (Correlation vs. Causation). قد يكون الخلل هنا في جهل الشخص بعلم البيانات أو الإحصاء بصفة عامة، أو في أن البيانات المستخدمة قد تم تجميعها، أو تمثيلها، أو تفسيرها بشكل خاطئ، وما إلى ذلك. رغم أن هذا النوع من التحيز خطير جدًا وقد ينتج عنه اتخاذ قرارت مكلفة، إلا أنني غير قلق بشأنه بتاتًا لأننا في ليبيا لا نستخدم البيانات من الأصل، بل نعتمد على مصادر أخرى، مثل العاطفة.

التحيز العاطفي (Affect Heuristic) لا يحتاج إلى أية أدلة أو معلومات على الإطلاق، بل هو تحيز مبني على العاطفة بالدرجة الأولى، حيث يعتمد الشخص على مشاعره، سواء كانت إيجابية أو سلبية، لاتخاذ قرارات مهمة كان يجب أن يتم تقييمها من الأساس بشكل منطقي وتحليلي. على سبيل المثال، قد يميل مسؤول ما إلى تسريع تنفيذ مشروع معين لأنه متحمس له، ويتجاهل كل الأصوات والمؤشرات التي تقول له أن هناك مشروعًا أخرًا أكثر منه أهمية.

ولكن، من تجربتي الشخصية، أنا أعتقد أن التحيز التأكيدي (Confirmation Bias) هو أكثر أنواع التحيز انتشارًا لدينا. يحدث هذا التحيز عندما يبحث الشخص عن الأدلة والمعلومات التي تؤكد معتقداته ويرفض أي دليل آخر يتعارض معها، دون إبداء أي اهتمام بجودة الأدلة التي يُستند عليها في التأييد أو الرفض، أي كمن يعتقد ثم يستدل بأي شيء يتماشى مع هواه. من علامات التحيز التأكيدي أن تجد الشخص نادرًا ما يعترف بحجة جيدة من الأشخاص الذين يختلف معهم، مهما قدموا له من أدلة، فهم دائمًا على خطأ. في العادة يكون الشخص الحامل لهذا النوع من التحيز متعصبًا لمنهجية، أو مبدأ، أو علامة تجارية معينة، ولا يريد السماع من الطرف الآخر.

ومن أكثر التحيزات التي تزعجني شخصيًا (خصوصًا في السياق الاجتماعي) هو تحيز الإجماع الخاطئ (False Consensus) والذي يجعل الشخص يبالغ في تقدير مدى اتفاق الآخرين معه، ويجعله ينظر إلى الأشخاص الذين يختلفون معه على أنهم قاصرو التفكير أو مخطئون. بمعنى آخر، يفترض هذا الشخص أن صفاته الشخصية، وخصائصه، وعاداته، ومعتقداته، وأفعاله منتشرة نسبيًا بين البشر، كأن يعتقد أن جميع الموظفين يفضلون العمل عن بُعد، أو من البيت، لأنه هو يفضل ذلك.

وهناك تحيز التوافر (Availability Heuristic) والذي هو تحيز يعتمد فيه الشخص على الأمثلة الفورية التي تتبادر إلى ذهنه عند اتخاذ قرار معين. يُبنى تحيز التوافر على “مبدأ” أنه إذا كان من الممكن تذكر شيء ما بسرعة، فإن ذلك الشيء حتمًا مهم، أو على الأقل أكثر أهمية من الأشياء الأخرى التي لا يتم تذكرها بسهولة. ومن الممكن أن يميل الشخص إلى الحُكم والتقييم بناءًا على المعلومات الأحدث، مما يجعل آرائه وقراراته منحازة تجاه أحدث الأخبار، كأن يعتقد الشخص أن منتجًا ما هو أفضل من غيره لمجرد أنه رأى تغطية إعلامية حديثة عنه مؤخرًا، وهكذا.

كما ذكرت، هناك أنواع كثيرة من التحيز، وكلها تهدد قدرتنا على اتخاذ قرارت صائبة على الصعيدين الشخصي والمهني. قد نلاحظ أحد هذه التحيزات في أنفسنا، ونكره أن يصارحنا أحد بها، ولكن الوعي بها والنجاح في “ترويضها” سيحدث فارقًا كبيرًا على قراراتنا وصورتنا الاحترافية.

ساهم في إثراء النقاش عبر التعليقات