كيف استجابت المدار الجديد للزعزعة الرقمية

إن كنت صاحب مؤسسة تجارية في ليبيا، وكنت غير مواكب لتطورات التحول الرقمي في مجالك، فإنك قد تكون في طريقك إلى الزعزعة (Disruption) من طرف الشركات الأخرى دون أن تدري، وربما في وقت أسرع مما تتوقع. هذا التعميم سينطبق عليك حتى إن لم يكن نشاطك التجاري متعلقًا بالتكنولوجيا— فالتحول الرقمي سيؤثر على جميع المؤسسات التجارية، باختلاف نشاطاتها والخدمات التي تقوم بتقديمها. أما إن كنت مسترخيًا لأنك شركتك مهيمنة أو محتكرة للسوق، فاعلم أن الزعزعة الرقمية لا تعترف بالحجم ولا بالحدود الجغرافية. خذ CASHU و Payoneer كمثال بسيط على شركات التقنية المالية التي سحبت البساط من تحت نظيراتها الليبية دون أن يكون لها أي تواجد في ليبيا. بكل بساطة: لا يمكنك الاختباء من التحول الرقمي أو استثناء نفسك منه، مهما حاولت.

لقد جلبت التكنولوجيا الرقمية معها العديد من الفرص للمؤسسات، ولكنها في ذات الوقت جلبت العديد من التحديات. مثال آخر على الزعزعة، وهذه المرة من قطاع الاتصالات، هو شركات خدمات الإنترنت (ويُشار إليها بالإنجليزية: Over-The-Top، أو اختصارًا OTT)، مثل واتساب (WhatsApp)، وڤايبر (Viber)، وسكايب (Skype) ومثيلاتها. على الرغم من أن هذه الخدمات تعتبر ممتازة لنا كمستخدمين، إلا أنها خطيرة على شركات الاتصالات لدرجة تهدد وجودها في السوق، فهي تأكل أرباح شركات الاتصالات في ليبيا والعالم بشكل متزايد نتيجة لهجرة المستخدمين من المكالمات الصوتية والرسائل القصيرة التي توفرها شركات الاتصالات إلى خدمات التواصل عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، مما يُكبِد شركات الاتصالات خسائرًا تتعدى مليارات الدولارات كل عام. كل ذلك -من فرص وتهديدات- يفرض على شركات الاتصالات استعمال كل حيلة ممكنة لتتمكن من اغتنام الفرص ومجابهة الزعزعة في آنٍ واحد!

كيف تستجيب المدار الجديد للزعزعة الرقمية؟

لمن لا يعرفها، شركة المدار الجديد – المعروفة في ليبيا باسم “المدار” وأرقام الشفرة التي تبدأ بـ 091 – هي شركة حكومية ليبية تأسست سنة 1995 كأول مُشغِل للهواتف المحمولة (Mobile Phone Operator) في ليبيا وشمال أفريقيا. تتمتع شركة المدار اليوم بأكثر من 5,000,000 مشترك يتنوعون بين مؤسسات حكومية، وشركات خاصة، وأفراد، داخل ليبيا فقط.

إلى حد قريب، كانت خدمات شركة المدار لا تخرج عن ماهو متعارف عليه بين خدمات شركات الاتصالات “التقليدية” (ببساطة: مكالمات وإنترنت) والتي كانت تعتبر كافية لاحتياجات المواطن الليبي. قمنا بتحليل خدمات شركة المدار المنشورة حاليًا في موقعهم الإلكتروني – وتصنيفها ببساطة إلى:

خدمات متعلقة بالمكالمات والرسائل، وتشمل:
– الاتصالات الهاتفية من الهاتف المحمول
– الرسائل النصية القصيرة (وتنحدر منها خدمة المدار شات، Almadar Chat)
– البريد الصوتي (Voice Mail)
– التجوال الدولي (Roaming)، وهي خدمة تمكنك من استخدام شفرة المدار في بعض الدول الأخرى

خدمات متعلقة بالإنترنت، وتشمل:
– خدمة الجيل الرابع المطوَر (+4G)
– خدمة الجيل الثالث المطوَر (+H)
– خدمة GPRS (الاتصال الدائم بالإنترنت والوصول الفوري إلى البريد الإلكتروني، ومواقع التواصل الاجتماعي، وآخر الأخبار، وغيرها)

خدمات إلكترونية أخرى (باستخدام واجهة USSD أو كما تسميها المدار “القائمة الذكية”)
– مثل خدمة بنك الدم ومثيلاتها من الخدمات الحصرية لمستخدمي الشبكة

سوف نستمر كمزود رئيسي لخدمات الاتصالات في تقديم منتجات متنوعة ذات قيمة عالية لشرائح مختلفة من المشتركين ترتكز على الخدمات الرقمية ” – رئيس مجلس الإدارة، المدار الجديد. كانت تلك كلمات من مقابلة تم اجراؤها سنة 2017 مع السيد عبد الخالق عاشور، رئيس مجلس الإدارة في شركة المدار الجديد. نحن الآن في منتصف سنة 2021، وقد بدأنا اليوم نرى بعض ملامح الخدمات الرقمية لشركة المدار الجديد تتشكل بين أعيننا (أو بالأحرى بين أصابعنا).

من استقرائنا لما تقوم به شركة المدار الجديد مؤخرًا، فإنه من الجلي جدًا أن الشركة تنوي الانتقال بنموذج عملها من مزود خدمات اتصال (Communication Services Provider، أو اختصارًا CSP) إلى مزود خدمات رقمية (Digital Service Provider، أو اختصارًا DSP)، وهذا هو النهج الذي تسلكه العديد من شركات الاتصالات العالمية في الوقت الحالي كنوع من التأقلم مع التغيرات السريعة في أنماط الحياة والعمل واستجابة للزعزعة الرقمية، أي الزعزعة التي جلبتها التكنولوجيا الرقمية.

هذا التحدي لا يواجه شركة المدار الجديد فقط بل يواجه جميع شركات الاتصالات، داخل وخارج ليبيا. تختلف استراتيجيات شركات الاتصالات للتعامل مع التحدي. مثلًا، اتخذت شركة الاتصالات التركية Turkcell وضع “الهجوم” على تلك المنصات بشكل مباشر من خلال إصدار منصة رقمية خاصة بها تُباري بها ڤايبر وأمثاله. أما شركة Veon فأخذت دور “لم الشمل” ببناء منصة رقمية تجمع تلك الخدمات الرقمية ضمن النظام البيئي الرقمي من خلال تطبيق Veon. حتمًا لا يوجد “صح” أو “خطأ” هنا: كل شركة تعتمد استراتيجية مختلفة تتماشى مع قدراتها ونضجها الرقمي.

دعونا نرى أمثلة حقيقية للكيفية التي تتعامل شركة المدار الجديد مع هذه التحديات: الإجابة باختصار هي: آلو-ليبيا (AloLibya) و سداد (Sadad) – دعونا نوضح أكثر:

خدمة آلو-ليبيا (AloLibya)

أطلقت المدار الجديد مؤخرًا خدمة اسمها آلو-ليبيا (بالإنجليزية، وهو اسم التطبيق أيضًا، AloLibya). الرسالة التسويقية لهذا المنتج – كما هي مدرجة في موقع شركة المدار – تَعرِض العديد من حالات الاستخدام (Use Cases)، ولكن واحدة من هذه الحالات هي الأهم من جميع الحالات الأخري مجتمعة ألا و هي: عندما تكون خارج ليبيا (ولديك إنترنت من أي نوع) وتريد الاتصال بشخص في ليبيا (ليس لديه إنترنت).

قبل خدمة آلو-ليبيا، كانت الخيارات كالتالي:

الخيار الأول: أن تتصل بالشخص باستخدام المكالمات الدولية العادية (سواء من الموبايل باستخدام شفرة دولية أو تتصل من هاتف أرضي عمومي). هذا الخيار غالي جدًا، ولكنه يعتبر الخيار الأول للعديد من الليبيين إما لعدم درايتهم بالخيارات الأخرى أو بسبب عدم قدرتهم على استخدامها.

الخيار الثاني: أن تتصل بالشخص باستخدام خدمة Viber Out، أو Skype To Go، أو ما يشابههما، و جميعها خدمات مدفوعة تمكِنك من استخدام الإنترنت للاتصال بشخص ما على رقم هاتفه الأرضي أو الجوال دون أن يكون لديه اتصال بالإنترنت.

كما ذكرنا الخيار رقم 1 غالي جدًا، على الرغم من أنه سهل التطبيق: بإمكانك الحصول على شريحة جوال (شفرة) مجانية في تونس أو تركيا (في المطار)، اشحن رصيد من المطار أو أقرب متجر، ثم اتصل بالشخص المطلوب في ليبيا. الأمر سهل جدًا. لكن كما ذكرنا، السعر مرتفع جدًا، وبالتالي لن تتحدث “بأريحية” مع الطرف الآخر. ليس لدينا أرقام مؤكدة بخصوص أسعار المكالمات الدولية، لكنها لن تقل عن 3 دينار لكل دقيقة.

ماذا عن أسعار الخيار الثاني؟ خدمة Viber Out تكلف حوالي 2.5 دينار لكل دقيقة (على الأقل)، بينما خدمة Skype To Go (والتي استعملتها شخصيًا لأكثر من سنتين للاتصال بليبيا من الخارج) تكلف حاليًا 2 دينار لكل دقيقة (على الأقل)، كلامهما بدون تكاليف إضافية على الشخص المتلقِي للمكالمة. ستحتاج إلى كرت ائتمان (ڤيزا، ماستر، أو غيرها) لتتمكن من تعبئة رصيد Viber Out أو Skype To Go. بالمقابل، خدمة آلو-ليبيا تكلف 10 دينار في الأسبوع، أو 30 دينار في الشهر بدون أي تكاليف إضافية على الشخص المتلقي للمكالمة!

على افتراض أن الاتصال عبر خدمة آلو-ليبيا غير مسقوف بمدة زمنية معينة، هذه صفقة خيالية للمستخدمين! خصوصًا أن هذه الخدمة يمكنها أن تربطك هاتفيًا بأرقام ليبيانا، والهاتف الأرضي، وتسمح لك بالتواصل معهم باستخدام الرسائل النصية. أما بالنسبة لجودة الاتصال والصوت باستخدام آلو-ليبيا، فإنها “ماشي حالها” على أعلى تقدير، وذلك استنادًا إلى تقييم بعض الأشخاص الذين استعملوها للاتصال من تونس إلى ليبيا.

بطبيعة الحال سيكون هناك مجال كبير للتحسين – بالتحديد من ناحية جودة المكالمة والصوت – لأن هذه الخدمة لازالت في مراحلها الأولى، خصوصًا عندما نضع في اعتبارنا المراحل الإضافية، والطويلة، والمعقدة التي تنتقل بها المكالمة من المتصِل إلى المتلقِي في خدمة آلو-ليبيا. تعتمد جودة المكاملة والصوت أيضًا على جودة الإنترنت من طرف المتصِل، وقوة التغطية عند الشخص المتلقِي.

هذا النوع من الخدمات – إن انتشر بشكل كافٍ بين شركات الانصالات في ليبيا والعالم – سيعتبر بدون شك ضربة مؤلمة لشركات خدمات الإنترنت، وبالخصوص ڤايبر (Viber) وسكايب (Skype)، لأن ڤايبر وسكايب في حد ذاتهما خدمات تواصل مجانية عندما يكون لدى المتصِل والمتلقِي إنترنت، أما خدمات Viber Out و Skype To Go، والتي تُستخدم لإجراء المكالمات الدولية عندما يكون المتلقِي ليس لديه إنترنت، فهي خدمات غير مجانية (دفع مُسبق)، وتعتبر أحد أهم مصادر الإيرادات بالنسبة لهذه الشركات، وشركة المدار الجديد، ومن يسلك نهجها في آلو-ليبيا، سيأخدون قطعة كبيرة من تلك الإيرادات.

خدمة سداد (Sadad)

عندما ننظر إلى خدمة آلو-ليبيا، فإننا لا نشعر على الإطلاق أنها خارج نطاق خدمات الشركة لأنها -في لُبها- خدمة تُمكِن المستخدمين من إجراء مكالمات صوتية عبر شبكة الإنترنت. أما خدمة سداد (Sadad)، من ناحية أخري، فقد تبدو وكأنها خدمة مصرفية أكثر منها خدمة اتصالات. ولكن، العالم يتغير بنسقٍ متسارع يجعل من كلمة “النشاط الأساسي للشركة” عبارة لا تتماشى مع عصرنا.

أطلقت شركة المدار الجديد خدمة سداد سنة 2017 بالتعاون مع مصرف ليبيا المركزي (CBL). توفر خدمة سداد للمستخدمين القدرة على الدفع من خلال محفظة رقمية (Digital Wallet) في الهاتف الجوال. تهدف الخدمة إلى تسهيل عمليات التبادل المالي والمدفوعات اليومية ضمن بيئة رقمية اَمنة، ذلك ضمن مساعي الطرفين لتوفير حلول بديلة لطرق الدفع التقليدية مثل النقد والبطاقات المصرفية. خدمة سداد تمكن الزبون من:

– الدفع وتسديد الفواتير لقائمة المتاجر التي تدعم خدمة سداد
– تحويل أموال بين مستخدمي سداد
– شراء بطاقات الشحن أو الكروت
– بوابة الدفع الإلكتروني (أو بالأحرى: “الدفع الرقمي”)

بغض النظر عن كونها حققت العائد الاستثماري المرجو منها أم لا، خدمة سداد هي خطوة أخرى في الاتجاه الصحيح. دخول شركة المدار الجديد في سوق الدفع الرقمي هو بداية النقلة النوعية من مجرد كونها مزود خدمات اتصالات (CSP) إلى مزود خدمات رقمية (DSP)، فاتحةً لنفسها بذلك مجالًا جديدًا للنمو ومدخلًا جديدًا للإيرادات. كل ذلك سيزيد من قدرة الشركة على الصمود في وجه الزعزعة الرقمية من داخل وخارج ليبيا. هناك طبعًا مجال كبير للتحسين – خصوصًا في ناحية الانضمام لخدمة سداد، تعبئة الرصيد للمحفظة الرقمية، و توسيع شبكة المتاجر التي تدعم الخدمة.

التالي لشركة المدار الجديد – كما نراه

لا شك أن الهاتف المحمول سيلعب دورًا مركزيًا في عملية الدفع في المستقبل القريب، سواء عبر الإنترنت أو داخل المتاجر. شركات الاتصالات تمتلك الخبرة التقنية، وتمتلك القاعدة الجماهيرية (مثلًا المدار لديها 5,000,000 مشترك)، ولديها القدرة على حل مشاكل معقدة مثل إدارة الهوية (Identity Management)، مما يجعل من شركات الاتصالات المرشح المثالي لتلعب دور المُجمِع (Aggregator).

على سبيل المثال، أحد أكبر التحديات التي تواجه الشركات في ليبيا، خصوصًا الشركات الناشئة (Startups) في مجال التجارة عبر الإنترنت (E-Commerce)، هي عدم وجود طريقة للدفع عن بُعد. تعتبر شركة المدار الجديد من أهم المرشحين المحتملين القادرين على توفير حل لهذا التحدي من خلال خدمة سداد. ميزة “بوابة الدفع [الرقمي]” التي تشملها خدمة سداد قد تكون أول ملامح دخول شركة المدار الجديد في هذه المرحلة المتقدمة التي تُمكِن فيها غيرها من الشركات من إدارة وتقديم خدماتهم عبر منصة رقمية موحدة تديرها شركة المدار الجديد، أي أن المدار قد تصبح: Digital Service Enabler، أو اختصارًا DSE أسرع مما نتوقع، أو نأمل. “يجب على شركات الاتصالات أن تنجح كمزود خدمات رقمية (DSP) و مُمَكِّن خدمات رقمية (DSE) حتى تتمكن من الوصول إلى المكانة المرجوة لشركات الاتصالات في سنة 2020” – الرئيس التنفيذي، منتدى الاتصالات TM Forum

نحن نعتقد أنه يجب الاستمرار في تركيز الاستثمارات والجهود – بشكل أكبر – في الخدمات المذكورة في هذا المقال، وخصوصًا خدمة سداد. هذه الخدمات ليست مجرد تطبيقات هاتف جوال، بل هي خدمات تستحق التركيز عليها كمنبع مستقل للإيرادات. يجب العمل على بناء القدرات المصرفية اللازمة لتوسيع خدمة سداد وجعلها خدمة يُعتمد عليها من طرف الزبائن (المواطنين والمتاجر)، ويجب التركيز على بناء علاقات استراتيجية وطيدة مع المتاجر ومنصات التكنولوجيا الواعدة في ليبيا.

والأهم من ذلك، يجب دراسة كل العوائق التي تمنع المواطنين والمتاجر من استخدام سداد والعمل على حلها دون كلل. يجب الاجتهاد في الوصول بالعمليات التشغيلية في الشركة (Operations) إلى مرحلة الامتياز التشغيلي وترسيخ مبدأ التحسين المستمر (Continuous Improvement) في الثقافة المؤسساتية، وذلك لأن أغلب مواضع التحسين في الخدمات المذكورة تبدو مرتبطة بالنواحي التشغيلية وليس بنموذج العمل التجاري.

وعلى كل حال، نحن نعتقد أن شركة المدار الجديد في المسار الصحيح لتكون شركة اتصالات المستقبل في ليبيا، 2020 وما بعد.

ساهموا في إثراء الحوار حول الموضوع عبر منتدي النقاش