كيف تخطط للتحول الرقمي لمؤسستك

قيادة برامج التحول الرقمي ليست مهمة سهلة، وقد يتوه بك الدرب إن افتقرت إلى التوجيه الصحيح. هذه هي القيمة الجوهرية التي تقدمها بوصلة التحول الرقمي (Digital Transformation Compass). نُشرت بوصلة التحول الرقمي كأداة تخطيط للتحول الرقمي في الكتاب الشهير “Leading Digital” من تأليف Westermann، و Bonnet، وMcAfee. توضح هذه البوصلة المراحل الأساسية الأربع التي تُمكِن المؤسسات من قيادة برامج التحول الرقمي بنجاح.

  • 1- التأطير (Frame)فهم التحدي الرقمي الذي تواجهه المؤسسة (الشركة) ووضعه في إطار واضح

  • 2- التركيز (Focus)التركيز الليزري للاستثمارات لحل التحديات المطروحة باستخدام التكنولوجيا الرقمية

  • 3- التحريك (Mobilize) – تحريك المؤسسة لتنفيذ برنامج (أو برامج) التحول الرقمي

  • 4- الاستدامة (Sustain)التخطيط لاستدامة التحول الرقمي

التأطير والتركيز: هنا تعمل المؤسسة على تقييم التحديات التي تريد مواجهتها أو الفرص التي تريد اغتنامها، ومن ثم العمل على تركيز الاستثمارات لتحقيق ذلك. أثناء التأطير، تعمل المؤسسة على استكشاف التحديات التي تواجهها ورفع الوعي بشأنها، وإدماج جميع المعنيين بالأمر (من موظفين، ومجلس إدارة، وغيرهم) والتأكيد على تعاونهم، و من ثم وضع رؤية واضحة لبرنامج (أو برامج) التحول الرقمي. بعد ذلك، في مرحلة تركيز الاستثمار، يتم ترجمة رؤية التحول الرقمي إلى خطوات ومشاريع واضحة، وبناء خارطة الطريق، وتخصيص الميزانيات لبرامج التحول الرقمي. جدير بالذكر هنا أن نجاح تأطير التحدي الرقمي وتركيز الاستثمار يعتمدان بشكل كبير على مستوى المهارات الرقمية للقوى العاملة في المؤسسة، حيث أنه كلما ارتفع مستوى المهارات الرقمية للقوى العاملة، زادت قدرة القيادة العليا على تقييم السيناريوهات المحتملة المختلفة للتحول الرقمي وتركيز الاستثمارات في موضعها الدقيق.

التحريك والاستدامة: هنا تبدأ المؤسسة بتنفيذ مشاريع التحول الرقمي من ناحية فنية وتقنية. ولكن قبل ذلك، يجب التأكد من أن الكادر الوظيفي على وعي سابق بهذه التغييرات وأنهم على توافق كامل مع الإدارة العليا بخصوص رؤية وأهداف التحول الرقمي. يجب على المؤسسة تطوير الثقافة المؤسساتية (Corporate Culture) -بشكل حذر- وبناء شبكة من المناصرين (Champions) والمؤثرين (Influencers) لكي يساعدوها في إنجاح هذه الجهود. في الواقع، لا يختلف اثنان على أن أفضل طريقة لتحريك جهود التحول الرقمي والحفاظ على استدامتها تكمن في تطوير الثقافة المؤسساتية. سيتقبل الموظفون الحلول الرقمية الجديدة التي تمكِنهم من أداء عملهم بطريقة أفضل، على اشتراط أنها لا تزلزِل الثقافة المؤسساتية في يوم وليلة ولا تتسبب للموظفين بصدمة تكنولوجية. بمجرد أن يعتاد الموظفون على التكنولوجيا الجديدة ويثقوا بها، ستصبح ثقافة المؤسسة أكثر مرونة ويصبح من السهل محو طرق العمل القديمة، بشكل تدريجي.

مثال مبسط على تطبيق بوصلة التحول الرقمي على موزِع دقيق شعير في سوق الكريمية

سوق الكريمية هو أحد الأسواق المركزية المهمة في ليبيا. يخدم سوق الكريمية كامل المنطقة الغربية كما يخدم بعض المناطق الجنوبية. يقع السوق في جنزور ويتبع -إداريًا- بلدية السواني بمحافظة العزيزية. أُنشئ السوق في الثمانينات وإتخذ اسم “الكريمية” لتواجده في منطقة الكريمية (ويكيبيديا).

زكريا، شخصية خيالية، هو تاجر في سوق الكريمية. يمتلك زكريا متجرًا لتوزيع دقيق شعير رفيع الجودة على تجار التجزئة في مدن مختلفة في المنطقتين الغربية والجنوبية، أي أن زكريا لا يبيع الدقيق للمتسهلكين مباشرة، بل يبيعه لتجار التجزئة، مما يجعل هؤلاء التجار الزبائن الأساسيين له. على الرغم من أن زكريا لديه فريق محلي لإدارة المستودعات، ألا أنه يشرف شخصيًا على العديد من الباعة الذين يعملون محليًا للعثور على تجار تجزئة جدد وإقناعهم ببيع منتجاته. ومع ذلك، لاحظ زكريا أن جزءًا صغيرًا فقط من تجار التجزئة الذين تعاقد معهم واصلوا تجارتهم معه لفترة تفوق ثلاثة أشهر.

للعثور على السبب، احتسى زكريا القهوة مع بعض باعته وبعض تجار التجزئة الذين تعاقد معهم، وقام بتدوين العديد من الملاحظات. لاحظ زكريا أن لب المشكلة يكمن في الطريقة التي يدار بها مستودع تخزين الدقيق. في كثير من الأحيان، يتفاجئ الباعة أن المنتجات قد نفذت من المستودع فجأة. علاوة على ذلك، اشتكى الباعة من الوقت الذي يستغرقه تجهيز واستلام الشحنات الجديدة. من ناحية أخرى، عندما تحدث زكريا إلى الفريق الذي يدير المستودع، وجد أن لديهم وجهة نظر أخرى، حيث أنهم أشاروا إلى أنه ليس لديهم ما يكفي من القوى العاملة للتعامل مع جميع المكالمات الهاتفية والطلبات الواردة من الباعة وتجار التجزئة مما يؤدي إلى حدوث تأخير كبير في الطلبيات.

وبالتالي، يبدو أن هناك طريقتين محتملتين يمكن من خلالهما معالجة هذا التحدي. أولاً، يمكن توظيف المزيد من الموظفين في المستودع لإدارة طلبات الباعة. ثانيًا، يمكن تحسين العمليات التشغيلية الحالية باستخدام طرق جديدة. مع أخذ تكاليف زيادة القوى العاملة في الاعتبار، قرر زكريا اختيار الطريقة الثانية، والتي تتمثل في تحسين العمليات التشغيلية في متجره دون الحاجة لزيادة عدد الموظفين (والذي يعتبر بالفعل الحل الأمثل في هذه الحالة). وبهذا تمكن زكريا من تأطير التحدي الذي يواجهه (أي وضعه في إطار واضح)، والذي يكمن في انعدام سلاسة العمليات التشغيلية في المستودع.

باشر زكريا بعدها بجدولة مجموعة من الاجتماعات والمكالمات الهاتفية مع فريقه لفتح باب النقاش والعصف الذهني لغرض فهم المشكلة بتفصيل أكبر وتصوُرِ حلٍ لها. توصل زكريا مع فريقه أن الحل يكمن في توفير طريقة رقمية تُمكن موظفي المستودع من متابعة طلبات الباعة وإدارتها بطريقة أكثر فعالية. اقترح أحد موظفي المستودع أن يتم بناء نماذج وقواعد بيانات عبر الإنترنت (أي منظومة متصلة بالإنترنت)، حيث أن ذلك سيسهل تدفق المعلومات وإدارة الطلبيات من جميع الأطراف. التكنولوجيا الرقمية التي توفر ذلك تُدعي الحوسبة السحابية (أو Cloud Computing) وأحد أمثلتها باقة جوجل سويت (Google Suite)، والتي توفر خدمات رقمية متنوعة – ومجانية 100٪ – عبر الإنترنت.

لدى زكريا الآن فكرة واضحة عن التحدي الرقمي الذي يواجهه وكذلك طريقة حله، وبالتالي أصبح من الأسهل معرفة أين يجب تركيز الاستثمار. في هذه الحالة، وجب على زكريا التعاون مع شخص متخصص في تقنية المعلومات حتى يقوم بتجهيز المنظومة الجديدة له. اكتشف زكريا أيضًا أن هناك حاجة ملحة لتدريب الموظفين، الباعة، وكذلك تجار التجزئة على المنظومة والنظام الجديد وكذلك التشديد على منافع استخدامها للجميع. تطبيق هذا النوع من التغييرات يكون عادة مصحوبًا بالمقاومة من طرف بعض الموظفين (خصوصًا من لديهم وعي قليل بالتكنولوجيا)، وبالتالي يجب طمئنة الجميع وتوفير التدريب والدعم لهم حتى يصبحوا قادرين على تنفيذ التحول.

لضمان استدامة التحول، قام متخصص تقنية المعلومات التي استأجره زكريا باستخدام برنامج كمبيوتر مجاني وبسيط يقوم بتجميع بيانات عن استخدام المنظومة الجديدة من طرف الموظفين، والباعة، وتجار التجزئة. منفعة هذا البرنامج أنه يقوم بتوفير رسم بياني مبسط يوضح عدد الأشخاص الذي يستخدمون النظام وكذلك كثافة استخدامهم له، مما سيمكِن زكريا من قياس نسبة التبني (Adoption) للمنظومة الجديدة لغرض تقديم الدعم في النواحي التي تحتاج ذلك. هذه ممارسة ناجحة وممتازة حيث أنه لا يمكننا تغيير أو تحسين أي شيء دون أن نقوم بقياسه باستمرار.

هل التحول الرقمي هو مجرد تركيب منظومة؟

بالطبع لا. ماحدث هنا هو أكبر من مجرد تركيب منظومة متصلة بالإنترنت. المنظومة كانت هي الوسيلة فقط. ما نجح زكريا في تحقيقه هو:

تمكين الموظفين: أي أنه وفر لهم طرقًا جديدة للعمل تمكِنهم من أداء وظائفهم بطريقة أفضل. الموظفون الآن غير مجبرون على تلقي مئات المكالمات الهاتفية في اليوم والمعاناة من الإجراءات الورقية. لدى الموظفين الآن وقت أكثر للتعلم، اتخاذ القرارات، وابتكار حلول  للمشاكل التي تواجههم. هذه بالفعل طريقة أفضل للعمل.

تحسين العمليات التشغيلية: أصبحت العمليات التشغيلية في متجر زكريا أكثر سلاسة. يمكن الآن لجميع الأطراف (موظفين، باعة، وتجاز تجزئة) معرفة سعة المستودع وحالة الطلبيات في أي لحظة من اللحظات. علاوة على ذلك، يمكن استخدام البيانات التي يتم تجميعها في إدارة العرض والطلب بشكل أكثر فعالية وبالتالي ضمان توفر السلع في المخزن دون انقطاع وكذلك تزويد تجار التجزئة بالبضائع قبل ان تنفذ منهم.

– تحسين تجربة المستخدم: وهذا هو الأهم، حيث أن زبائن زكريا المباشرين (أي تجار التجزئة) أصبح لديهم إمدادات ثابتة من دقيق الشعير مما يضمن تدفقًا مستقرًا للإيرادات. لا شك الآن أن تجار التجزئة أكثر استعدادًا للاستمرار في التجارة مع زكريا. علاوة على ذلك، زبائن زكريا غير المباشرين (أي مستهلكو دقيق الشعير) أصبحوا يجدون دقيق الشعير عالي الجودة مصفوفًا في رفوف المتاجر بدون انقطاع، مما يمنحهم رفاهية الاستمتاع بوجبة البازين كلما اشتهوها.

ساهموا في إثراء الحوار حول الموضوع عبر منتدي النقاش