المدينة الليبية الذكية

المدينة الليبية الذكية“: أليس العنوان باعثًا للأمل؟ أليس من الرائع التفكير في مستقبل مخالف للحاضر تمامًا؟

المدينة الذكية (Smart City) هي بدون شك من أبرز معالم ذلك المستقبل. نحن هنا لا نتحدث عن سيارات تطير أو روبوتات تجتاح المدن الليبية، بل نتحدث عن تغييرات عملية وواقعية من شأنها تحسين جودة الحياة وأساليب العمل في ليبيا. ومع عودة م. محمد بن عياد لقيادة قطاع الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات في ليبيا، قد تتحول المدينة الذكية من مجرد فكرة إلى واقع ملموس في ليبيا مع حلول 2025.

ماهي المدينة الذكية (Smart City)

تقع المدينة الذكية تحت المظلة الواسعة للتحول الرقمي (Digital Transformation)، حيث أن كل ما نقوم به في حياتنا اليومية سيتم إعادة تخيُله، وتصميمه، وتنفيذه من وِجهة نظر رقمية بحته باستخدام التكنولوجيا الرقمية (Digital Technology) مع وضع مصلحة المستخدم -أي المواطن- في مركز كل القرارات.

تعتمد المدينة الذكية -بشكل أساسي- على تكنولوجيا رقمية تُدعى إنترنت الأشياء (Internet of Things). يمكننا تشبيه المدينة الذكية بمصنع ضخم، فيه العديد من الآلات التي تقوم بمهام مترابطة ومتزامنة. ستكون العديد من “الأشياء” في المدينة الذكية (جوالات، إشارات مرور، منظومات خدمية، كاميرات طرق، سيارات، طابعات، أعمدة إنارة، إلخ) على اتصال ببعضها عبر إنترنت فائق السرعة وسريع الاستجابة، ومن هنا جاءت التسمية “إنترنت الأشياء”، والتي يُشار لها اختصارًا بـ IoT.


مواصفات المدينة الذكية

تنظر مُدن العالم إلى مفهوم المدينة الذكية من نواحي متنوعة يُطلق عليها مُسمَى “فضاءات” (Spaces). على سبيل المثال، بعض المدن تنظر إليه من ناحية توفير حلول رقمية متعلقة بالمُواصلات (أي فضاء المواصلات، Transportation Space). البعض الآخر ينظر إليه من ناحية توفير حلول رقمية لترشيد استخدام الطاقة (أي فضاء الطاقة، Energy Space). البعض الآخر ينظر إليها من ناحية توفير حلول رقمية لتسهيل الخدمات الحكومية (أو ما يُعرف بالحكومة الإلكترونية، E-Government)، وهكذا: أي أنه لا توجد قائمة معينة بالمواصفات أو المعالم الرقمية التي يجب أن تتوفر في مدينة ما لكي يتم تصنيفها على أنها “ذكية”. بمعنى آخر، كل مدينة أو دولة حول العالم تبدأ بالخدمات التي تراها لازمة لتحسين قدرة المواطنين للعيش والعمل.

تعتبر المواصلات هي نقطة البداية للعديد من المدن الذكية حول العالم، ولكن، مجددًا، يتم ترجمة هذه الرؤية بطرق متنوعة. مثلًا تنظر بعض المدن إلى فضاء المواصلات من ناحية مشكلة ركن السيارات. البعض ينظر إليه من ناحية توفير حلول لدعم السيارات الكهربية أو السيارات ذاتية القيادة. البعض ينظر إليها من ناحية توفير أنظمة إضاءة وإشارات مرور ذكية، وغيرها من التحديات التي تواجه السائق على الطريق.


هل يمكن تطبيق مبدأ المدينة الذكية في ليبيا؟

سيقول البعض أن تطبيق مبدأ المدينة الذكية في ليبيا شيء مستحيل، ولكننا عندما نتأمل في دول أخرى مثل استونيا، إحدى دول الإتحاد الأوروبي، والتي تغلبت على ظروفها الصعبة (المشابهة لظروف ليبيا) بعد حرب  استقلالها من الاتحاد السوڤييتي سنة 1991 باستخدام التكنولوجيا الرقمية، سندرك تمامًا أنه لا يستحيل تكرار هذه التجربة الناجحة في ليبيا.

الاسم في حد ذاته (أي “المدينة الذكية”) قد يجعل الأمر يبدو وكأنه من الكماليات أو أنه قد لا يوجد أي نوع من العوائد الاستثمارية من الموضوع برمته، ولكن النتائج ستفاجئكم! دعونا نتفحص هذه الإحصائيات من دولة استونيا (Estonia) كدليل على العائد الاستثماري والمنافع الأخرى من بناء المدن الذكية:

  • تسعة وتسعون بالمئة (99٪) من الخدمات الرقمية في استونيا متوفرة للمواطنين 24 ساعة، على مدار الأسبوع، عبر الإنترنت مما ساهم في القضاء على البيروقراطية والفساد بشكل جذري (الواحد بالمئة المتبقية التي لم يتم رقمنتها هي إجراءات الزواج والطلاق وبيع العقارات)
  • استونيا تحقق موفورات بنسبة اثنين بالمئة (2٪) من الإنتاج المحلي سنويًا (والذي بلغ 26 بليون دولار سنة 2017) بفضل استخدام التوقيعة الرقمية (Digital Signature) بدلًا من التوقيعة التقليدية باستخدام قلم الحبر
  • تسعة وتسعون بالمئة (99٪) من الوصفات الطبية تصدر عبر الإنترنت مع الاحتفاظ بالتاريخ الطبي الكامل للمواطنين على شبكة الإنترنت، في مكان آمن
  • توثيق الضرائب يستغرق خمس (5) دقائق فقط عبر الإنترنت وهذا بدوره شجع المواطنين والشركات على المبادرة بالدفع
  • استونيا هي بيت لشركات تكنولوجيا تزيد قيمتها السوقية الإجمالية عن بليون دولار!

أما بالنسبة لليبيا، فإن هناك بعض الجهود المتعلقة بالتحول الرقمي والمدن الذكية، لكنها قليلة وتفتقر لوجود الحوكمة والرؤية الموحدة التي تساعد في توجيهها وتكثيفها. لعل أبرز هذه الجهود وأكثرها طموحًا كانت رؤية شركة ليبيانا للهاتف المحمول، رؤية 3SC، والتي كانت شركة ليبيانا تهدف من خلالها إلى قيادة ثورة رقمية لتطوير الاقتصاد الليبي، وكان شعارها “شركة ذكية، مدن ذكية، وبلاد ذكية” بحلول سنة 2020، وذلك من خلال تقديم حلول رقمية متقدمة في مجالات الصحة، الإدارة، والمواصلات- خصوصًا خدمات إدارة السير، وحركة السيارات، والإضاءة الطُرقية الذكية، وذلك نقلًا عن مقابلة صحفية أجرتها شركة ZTE الصينية سنة 2017 مع م. محمد بن عياد، الرئيس التنفيذي لشركة ليبيانا للهاتف المحمول في ذلك الحين.

أما الآن فقد أصبح م. محمد بن عياد يترأس الشركة الليبية للبريد والاتصالات وتقنية المعلومات القابضة (LPTIC)، وقد أطلق في مارس 2022 رؤية جديدة أكثر شمولية، رؤية 4SC 2025، وشعارها “مواطن ذكي، شركات ذكية، مدن ذكية، بلاد ذكية”، حيث تغيرت الرؤية من “شركة ذكية” (لأنه حينها كان يترأس شركة ليبيانا فقط) ذإلى “شركات ذكية” (والتي نعتقد أنها تشير لكافة شركات الاتصالات وتقنية المعلومات التي تمتلكها الشركة القابضة في ليبيا). التغيير الآخر في الرؤية هو إضافة عبارة “مواطن ذكي” والتي نعتقد أنها إضافة في غاية الأهمية لأن العامل البشري (Human Factor) هو العامل #1 في نجاح مبادرات التحول الرقمي.

ليس م. بن عياد فقط مهتمًا بالمدن الذكية، بل حتى المدير العام السابق للشركة القابضة، م. فيصل قرقاب، كان قد وقّع في يونيو 2021 اتفاقًا مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات المصرية لإنشاء مدينتين ذكيتين في طرابلس وبنغازي، وكان من المفترض بدء التنفيذ خلال عام 2021. ومع انتقال إدارة الشركة القابضة إلى م. بن عياد، فليس من الواضح ما إذا كان هذا الاتفاق سيستمر أم سيعاد النظر فيه، مع ترجيحنا لكفة السيناريو الأخير.

الشركات الخاصة في ليبيا أيضًا تبدي اهتمامًا بموضوع المدن الذكية، ولعل أبرز المبادرات في هذا الصدد هي مدينة جنان ليبيا الذكية (Jinan Libya)، مشروع استثمار عقاري لائتلاف شركات الضياء للتكنولوجيا الذكية، والتي صدر في ديسمبر 2021 قرار بدء تنفيذها بجوار مدينة توكرة، حوالي 70كم شمال-شرق مدينة بنغازي، بتمويل قيمته 450 مليون دينار ليبي من الهيئة العام لتشجيع الاستثمار وشؤون الخصخصة (Libya’s Privatization and Investment Board) بالمنطقة الشرقية وبرعاية من وزارة الاقتصاد والصناعة.

هذا بالإضافة إلى مبادرات أخرى متعددة لم تتوفر لنا معلومات كافية بخصوصها، نذكر منها:

  • مدينة الطاقة الذكية، طرابلس (2008): الهدف توفير البنية التحتية لأعمال شركات النفط والغاز ومصافي النفط والأعمال المتعلقة بالشحن والاتجار بالطاقة والخدمات المساندة. المشروع مشترك بين صندوق الإنماء الاقتصادي والاجتماعي في ليبيا وبيت التمويل الخليجي، وهو بنك استثمار إسلامي بحريني.
  • مشروع التحول إلى المدينة الذكية، رأس لانوف (2019): الهدف تحويل رأس لانوف إلى مدينة مبتكرة تستخدم تكنولوجيا المعلومات والاتصالات لتحسين نوعية الحياة، وكفاءة العمليات والخدمات، والقدرة على المنافسة، وكذلك إدخال تقنيات 4G و 5G إلى المدينة. من الجهات المشاركة في المشروع المؤسسة الوطنية للنفط (NOC) وشركة إريكسون (Ericsson) السويدية.
  • مشروع المدن الذكية، بنغازي (2021): ويهدف هذا المشروع، والذي تم بحثه مع شركة ZTE الصينية، إلى تثبيت منظومة أمنية مُتكاملة لمدينة بنغازي لمراقبة الحركة العامة وحركة المرور في المدينة لتتبع الخارجين عن القانون والمُخالفين بكاميرات حديثة تعمل بالطاقة الشمسية.

هل ستلعب البلديات الليبية الدور المتوقع منها؟

يجب أن تنتبه أجسام الدولة إلى موجة التحول الرقمي (Digital Transformation) التي أصبحت تغزو مدن العالم، ومنها المدن الليبية. مبادرات من هـذا العيار يجب أن تتم قيادتها وحوكمتها من طرف الدولة، كما هو الحال في كل مدن العالم. لا يمكن ترك هذا المجال لقُوى السوق (الشركات والمصارف العامة والخاصة) لتتصافى أو تقسم الكعكة فيما بينها أو أن تقوم ببناء البُني التحتية الرقمية للمدن ثم احتكارها لنفسها. ومن ناحية أخرى، لا يمكن للدولة تنفيذ هذا التحول دون الاستعانة بالصناعات المهيمنة في ليبيا -بالتحديد صناعتي الاتصالات والنفط- حيث أن هذه الصناعات تملك القدرات الفنية لتنفيذ التغيير و تمتلك القدرات المادية لتمويله. لتفعيل وحوكمة كل ذلك، يجب أن يتم دعم الهيكلية الإدارية في مؤسسات الدولة  والبلديات بكوادر مختصة في شؤون التحول الرقمي حتى تقوم بقيادة، وتمكين، وحوكمة كل جهود التحول الرقمي في ليبيا.


المدينة الذكية هي مدينة آمنة رقميًا

لا أحد يريد الدخول إلى مستشفى به خدمات رقمية، لكي يكتشف فجأة أن منظومات المستشفى قد تمت قرصنتها وتتهدد حياة المرضى وبياناتهم للخطر. سيقع على عاتق البلديات والدولة الليبية دور مُهم يكمن في حوكمة وتقنين الخدمات الرقمية التي ستوفرها المدن. هذه الخدمات تعتمد بشكل كبير على بيانات المواطنين مما سيُثير على الأغلب تحديات كبيرة متعلقة بالخصوصية والأمان الرقمي، حيث أن الغزو والقرصنة الرقمية يزدادان قوة على مدار الساعة ويبدو أن الأشرار أفضل تنظيمًا وتمويلًا من الأخيار في هذه المرحلة، ويكاد لا يمر يوم دون أن نشهد عملية قرصنة على الشركات أو البنوك. أحد الأمثلة هي الهجمة الإلكترونية الشاملة التي تعرضت لها دولة استونيا سنة 2007، والتي تم الاستجابة لها من خلال بناء سفارة البيانات (Data Embassy) -الأولى في العالم- والتي يتم فيها تخزين كل بيانات الدولة والمواطنين القائمين والرقميين. علاوة على ذلك، يتم تدريس الأمن الرقمي (السيبراني) في المدارس ابتداءًا من المرحلة الإعدادية. من ناحية أخرى، يجب التشديد على أهمية وضع ضوابط قانونية لما يُمكن تجميعه من بيانات المواطنين، ووضع وحدود قانونية لما يمكن فعله بها. بالإضافة إلى ذلك، ستزداد المخاطر المتعلقة بالقرصنة على المنظومات الحكومية وذلك لأن كل شيء سيكون متصلًا بشبكة الإنترنت، وبالتالي يجب -مجددًا- التركيز على الأمن الرقمي (الأمن السيبراني) وكذلك التأمين الرقمي (Cyber Insurance).


المدينة الذكية رحلة، وليس وِجهة!

المدينة الذكية ليست مجرد وضع نهائي يمكن الوصول له والتوقف عنده، بل هي رؤية متجددة وسعي مستمر لتلبية احتياجات المواطنين والتكيُّف مع تغيرات سوق ودخول التكنولوجيا الرقمية الجديدة. يمكن تحقيق الاستمرارية من خلال فتح باب الإبتكار والإبداع محليًا في مجالات التكنولوجيا الرقمية المتعلقة بمبدأ المدينة الذكية مثل السحابة (Cloud)، البيانات الكبيرة (Big Data)، وإنترنت الأشياء (Internet of Things)، وتقنية الجيل الخامس (5G) وغيرها من خلال الاستثمار في إطلاق المسابقات الريادية في مجال التكنولوجيا والتي أصبحت غير نادرة في ليبيا مؤخرًا فضلًا لشركات مثل شركة ليبيانا للهاتف المحمول، شركة المدار الجديد، و شركة تطوير (Tatweer)، وغيرها. يجب عدم التقليل من شأن هذه النشاطات التي كان لها الفضل في إطلاق خدمات رقمية رائجة عالميًا، وتخدم الأفراد والمؤسسات على حد سواء مثل DropBox و Yammer. يجب كذلك دعم المناهج الدراسية -خصوصًا الجامعية- بالقدرات والمهارات اللازمة لبناء الجيل القادم من قادة التحول الرقمي في ليبيا.


About محمد الزاوي

View all posts by محمد الزاوي →

× sticky note lot Featured

5 حيل فعالة لزيادة إنتاجيتك

تعلم خمس حيل فعالة لزيادة إنتاجيتك الشخصية والمهنية بأقل قدر من الإجهاد الذهني.