هدايا تسويقية لن يرميها زبونك في الكناسة

عندما يتعلق الأمر بالمنتجات الترويجية (أي الهدايا التسويقية)، فإن أغلب الشركات الليبية لازالت تفكر بنفس الطريقة البدائية: أغلبهم يتجه إلى متاجر شارع أبو مشماشة في طرابلس أو مثيلاتها في المدن الليبية الأخرى، ليطبعوا شعار شركتهم على مجموعة من أقلام الحبر، والدفاتر، والأكياس، وانتهى الأمر. بل إن بعض الشركات الليبية أصبحت تتكبد عناء التعاقد مع شركات أخرى لتوريد تلك المنتجات الترويجية التقليدية من خارج ليبيا … ستتسائلون: و ما المشكلة في ذلك؟ وهل هناك خيارات بديلة؟

في البداية، نحن نعي تمامًا أن الأقلام، والدفاتر، والأكياس لها حالات استخدام هامة. يمكن استخدام الأقلام والدفاتر خلال العمل اليومي في الشركات، أو خلال المؤتمرات والاجتماعات مع الزبائن، أو خلال البرامج التدريبية، حيث أن ذلك يُضفي طابعًا من الاحترافية على “صورة الشركة” في أعين موظفيها، وزبائنها، وشركائها. يمكن استخدام الأكياس التي تحمل هوية الشركة لتسليم البضائع المُباعة إلى الزبائن بدلًا من وضعها في أكياس بلاستيكية لوضع لمسة من الفخامة على المنتجات. من ناحية أخرى، قد يكون تصميم أدوات مكتبية وأكياس بشعار وهوية الشركة بكميات كبيرة (عبر موقع Alibaba مثلًا) أقل تكلفة من شراء أقلام، ومذكرات، وأكياس من القرطاسية المحلية، مما يمنح الأولى جدوى اقتصادية هامة، فوق كونها تعكس “روح الشركة” في نفس الوقت. ولكن السؤال هنا: هل تصلح الأقلام، والدفاتر، والأكياس كمنتجات ترويجية يتم توزيعها على الزبائن؟

لا أحد يشكك في أهمية المنتجات الترويجية في العملية التسويقية. هناك العديد من الدراسات التي تدعم ذلك، والتي قد بينت إحداها أن 80٪ من الأشخاص الذين استلموا منتجات ترويجية (أي هدايا تسويقية) من شركة لم يسمعوا بها من قبل، قد قاموا بردة فعل لحظية . ردة الفعل يمكن أن تكون زيارة صفحات الشركة في مواقع التواصل الاجتماعي، أو زيارة موقعهم، أو البحث عنها في شبكة الإنترنت، أو ربما حتى شراء بعض منتجاتها. أشارت نفس الدراسة أعلاه إلى أن 79٪ من هؤلاء الأشخاص قد قاموا بمشاركة الهدايا التسويقية مع غيرهم من خلال اهدائها، أو بيعها، أو التصدق بها.

حسنًا، أين المشكلة إذًا؟

لكي نفهم المشكلة، لابد لنا أن نتحدث عن العائد الاستثماري المرجو من توزيع المنتجات الترويجية. العائد الاستثماري المباشر من المنتجات الترويجية ليس ماديًا، فأنت لا تقوم ببيع هذه المنتجات للزبائن الحاليين أو المحتمَلين، بل تقوم باستثمار قيمة مهمة من الوقت والمال لشرائها وتوزيعها عليهم مجانًا. الهدف من الترويج باستخدام الهدايا التسويقية هو هدف تسويقي -غير ملموس- و يتمثل في انتشار علامتك التجارية في الأرجاء وجعل كل من يقتني تلك المنتجات الترويجية يُحس بنوع ما من المشاعر، التي تريد أن تزرعها فيهم، اتجاه علامتك التجارية.

يجب أن تكون الهدايا التسويقية التي توزعها لشركتك مفيدة للزبون، ذات جودة، ومتناغمة مع مجالك وعلامتك التجارية. ذلك سيساعدك في تحقيق العائد التسويقي المرجو منها. #التسويق #حوار_الأعمال

الجودة والنفع أكثر أهمية من الكمية

الهدايا التي لا يميل الزبائن لاستخدامها سينتهي بها المطاف في الكناسة (أي “القمامة” في اللهجة الليبية)، لدرجة أن البعض قد يرمون الهدايا عديمة النفع في القمامة بمجرد مغادرتهم لمقر الشركة التي أهدتها لهم. كون المنتج غير قابل للاستخدام يعتبر هدرًا للموارد وهدرًا للميزانية التسويقية، لأنه، كما ذكرنا أعلاه، المنتج الترويجي يجب أن يكون مفيدًا للزبون (أي ذا منفعة واستخدام). ذلك سيجعل الزبون يستخدمه بشكل أكبر، وبالتالي يزيد تعلقه بعلامتك التجارية، وكذلك تزيد احتمالات أن تنتشر علامتك التجارية بين معارفه عندما يرونه يستخدم منتجك الترويجي.

جودة المنتجات الترويجية تعتبر أيضًا عاملًا مهمًا في هذه نجاح عملية الترويج بالهدايا. أشارت أحد الدراسات إلى أن 72٪ من الزبائن يعتقدون أن جودة المنتجات الترويجية هي مقياس مباشر لسُمعة الشركة . ولكن، للأسف، عندما تقرر العديد من الشركات تجهيز منتجات ترويجية، فإنهم – في أغلب الأحيان – يتجهون إلى أرخص العروض والتي هي -على الأغلب- أقل جودة. التركيز في هذه المبادرات يجب أن يكون على النوع والجودة، وليس على الكم. هذا في حد ذاته يسلط الضوء على أحد المفاهيم الخاطئة لدي العديد من الشركات التي تعتقد أنها ملزمة بإنتاج كميات كبيرة من المنتجات الترويجية. الصحيح هو إنتاج عدد محدود من المنتجات لائقة الجودة وتوزيعها حسب خطة تسويقية مدروسة.

بالإضافة إلى دعم ظروف العمل السيئة التي يعانيها العُمال الذين يصنعون هذه المنتجات الترويجية الرخيصة في دول مثل الصين وغيرها، فإن إنتاج كميات كبيرة من منتجات غير نافعة ورديئة الجودة سيؤدي إلى تفاقم أزمة النفايات والتلوث. في الوقت الذي تشير فيه دراسات مثل هذه أن صناعة الهدايا التسويقية تزيد من مشاكل البيئة، تشير دراسات أخرى من ASI Central وغيرها بأن الأغلبية الساحقة من الهدايا التسويقية في الواقع لا ينتهي بها المطاف في أكوام القمامة . ولكن على كل حال، لقد أصبحت العديد من الشركات العالمية اليوم تضع البيئة، والاستدامة، وظروف العمل اللائقة من ضمن خططها التشغيلية والاستراتيجية، وأصبحنا نشهد انبثاق نوع من الشركات تُدعى بالشركات الأخلاقية (Ethical Companies). ربما الزبون الليبي لا يكترث كثيرًا بهذه الأمور اليوم، ولكن لا يمكننا أن نُنكر أن وعيه قد أصبح يزداد مؤخرًا بخصوص هذه المبادئ، وماهي إلا مسألة وقت حتى أن يبدأ الزبون الليبي يحاسب الشركات على ممارساتها التشغيلية الغير مسؤولة والغير أخلاقية.

استكشف أفكارًا جديدة بخلاف الثلاثي الممل: قلم، ومذكرة، وكيس!

ولنكن صريحين: استخدام المنتجات الترويجية التقليدية (قلم، مذكرة، كيس) قد أصبح أمرًا مملًا ومستهلكًا للغاية، وهما صفتان لا يجدر بعلامتك التجارية أن تتلطخ بهما. أغلب الشركات الليبية، صغيرتها وكبيرتها، أصبحت تتبع هذه الممارسة بشكل أعمى. الجانب الإبداعي في اختيار وتصميم المنتجات الترويجية تم طمسه بشكل تام، وأصبحت أغلب الشركات تتوجه لنفس المتاجر، وتطلب نفس “السلع” التسويقية، بنفس المواصفات.

أتذكر مؤخرًا أنني قمت بالتسوق من متجر مواد تجميل في طرابلس. قام البائع بوضع المنتجات التي اشتريتها في كيس ورقي ترويجي عليه شعار شركتهم. كانت تلك لمسة جميلة، ومع ذلك، رميت الكيس في القمامة فور وصولي للمنزل. بالإضافة لذلك، أهداني البائع قلم حبر عليه شعارهم، ليس واحد فقط، بل اثنين! أحد الأقلام كان يُستخدم أحد أطرافه كأداة للمس شاشات الجوال (صرعة أخرى انتشرت مؤخرًا بين الشركات الليبية). القلم كان من النوع الرخيص ولا يعمل من الأصل. أهداني البائع أيضًا ميدالية مطاطية منحوت عليها شعار المتجر. الميدالية لم تخدم أي غرض بالنسبة لي، ولم يمكنني تثبيتها في البنطال، لذلك رميتها أيضًا. كان الأجدر بهم، على سبيل المثال، إعطائي مرآة مكبِرة عليها شعارهم، بحيث يمكن استخدامها مع المنتجات التجميلية التي اشتريتها- أنفع، ومتماشية مع مجال عملهم!

تعليق متابع من لينكدان: “مستلزمات الدعاية والإعلان التقليدية لا تزال محافظة على مكانتها في العالم أجمع، وليس فقط في ليبيا (مع فروقات بسيطة). أحد العوامل التي تلعب دورًا محوريًا في هذ الصدد هو عامل التكلفة. معظم الشركات تتجه للجودة الأقل -للأسف- لتوفير التكاليف. على سبيل المثال، الأقلام تعتبر منتجًا دعائيًا مهمًا وعمليًا بشكل كبير، ولكن، بطبيعة الحال، لو كانت جودة القلم رديئة فغالبًا لن أهتم بها كزبون ولن أفكر في حملها، على عكس لو كان قلمًا فاخرًا أو معدنيًا ذو جودة عالية. الأمر ينطبق بالمثل على كل المنتجات الترويجية.”

— Mustafa Sallak (ليبي مقيم في تركيا، يعمل في مجال المنتجات الترويجية لأكثر من 8 سنوات)


أفكار أخرى لمنتجات ترويجية يمكن الحصول عليها بميزانية بسيطة جدًا:

مجال الأحذية: لبيسة أحذية (Shoehorn) مصنوعة من المعدن
مجال تعبئة المياه والعصائر: قوالب مصاصات ثلج (Ice Pop Molds) لفصل الصيف
مجال الطيران: سدادات أذن عازلة للصوت (Earplug) أو مخدة طائرة
كافيه: أكواب فخارية (Mugs) بغطاء سيليكون

إذًا، المبدأ بسيط: قم باختيار منتج مفيد، ذو جودة، ويتناغم مع مجالك وعلامتك التجارية. وحتى إن قررت شركتك “الخروج من الصندوق” أو اضطرت إلى تقديم منتج ترويجي مخالف لمجالها، فلا بأس، على الأقل يجب أن يتم الحرص على أن المنتج الترويجي ذو جودة لائقة ويُقدِم فائدة حقيقية للزبون، وإلا فإن الزبون لن يحتفظ به، ولن يستخدمه، وبالتالي لن يتحقق العائد المرجو من العملية التسويقية برمتها.

أحد أفضل الأمثلة التي تحضرنا من ليبيا في هذا الصدد هو هدايا شركة ليبيانا للهاتف المحمول للحجاج الليبيين، والتي شملت (في سنة 2019) حقيبتي سفر تحويان هدايا تسويقية تحمل العلامة التجارية للشركة. المنتجات تشمل: قنينة حرارية للماء، مظلة، بطارية محمولة (Power bank)، وغيرها من الأدوات الأساسية التي تلزم الحجاج في رحلتهم- تجسيد لائق لعبارة “ليبيانا ديما معانا” التي تستخدمها الشركة كشعارٍ ترويجي لها. من المؤكد أن العدد المحدود لمستقبلي هذه الهدايا (أي الحجاج) قد مكّن الشركة من توفير هدايا تسويقية ذات جودة لائقة، ومع أن عدد الهدايا كان محدودًا، إلا أن ظهورها قد كان واسعًا عبر مواقع التواصل الإجتماعي.

حقوق الصور: محمد الدينالي (عبر فيسبوك)

ليبيانا شركة ضخمة (أكبر مشغل اتصالات في ليبيا)، وبالطبع لا يمكن لجميع الشركات تقديم هدايا تسويقية بهذه الميزانية، ولكن ذلك لايعني أنه لا توجد أفكار أخرى في متناول الشركات الصغيرة. على سبيل المثال، أبهرني هذا المنتج الترويجي في سيارة أخي رغم بساطته. قام بتوفير هذا المنتج مركز لغسيل السيارات في طرابلس اسمه مركز 360. قام طاقم التنظيف بتعليق معطر السيارة في مرآة السيارة بعد تنظيفها. كُتب على المعطر دعاء ركوب السيارة (أو الدابة)- إنها بالفعل فكرة ترويجية في محلها الصحيح و بتكاليف بسيطة. وحسب ما بلغنا من المتخصصين في المجال، معطر السيارات رائج جدًا في هذ مجال التسويق (لانخفاض سعره)، إلا أننا لا نتخيل موضعًا أكثر ملائمَة لاستخدامه من هذا الموضع.

حقوق الصور: سماوة

بالإضافة إلى العوامل التي ذكرناها أعلاه، هناك عوامل ثانوية أخرى يجب التركيز عليها عند اختيار المنتجات الترويجية، مثل السعر (الصراع بين الجودة والسعر هو صراع أزلي)، مكانة المتلقِي (مدير شركة يختلف عن موظف عادي، مع مراعاة ضوابط الفساد المتعلقة بالهدايا)، نوع الحدث (مؤتمر دولي يختلف عن ورشة عمل محلية)، وهكذا، فالسياق يختلف من شركة لأخرى، ومن مجال لآخر، لذلك يجب التفكير مليًا في نوع وكم المنتجات الترويجية وطريقة توزيعها، ولكن العوامل التي يجب أن تكون مشتركة بينها هي: الفائدة للزبون، الجودة، والتناغم مع مجال الشركة وعلامتها التجارية.

دمتم رائجين!

ساهموا في إثراء الحوار حول الموضوع عبر منتدي النقاش


المراجع:

PPAI (2019) 2019 Consumer Study. Available at: https://www.ppai.org/members/research/ (Accessed: 25 May 2020).
Segran, E. (2018) It’s time to stop spending billions on cheap conference swag, Fast Company. Available at: https://www.fastcompany.com/90260185/its-time-to-stop-spending-billions-on-cheap-conference-swag (Accessed: 25 May 2020).
ASI Central (2019) 2019 Ad Impressions Study. Available at: https://www.asicentral.com/news/web-exclusive/january-2019/2019-ad-impressions-study/ (Accessed: 25 May 2020).